الشيء النفيس



الشيء النفيس
…………………
الحال هو الحال
ودورة الحياة دائرة تدور .. من العمل للمنزل ومن عمل إلى عمل إلى المنزل .
حاول أن يضاعف دخله .. فالراتب يتقلص وينخفض والأسعار تتضخم وترتفع
داخله شيء نفيس يدخره إلى أن يأتي من يخرجه للنور .. هناك بارقة أمل يشعر بها ولكن لم تعلن عن موعدها .
في عودته توقف عند المحل الذي اعتاد الشراء منه منتصف نهار كل يوم ، طلبات محدودة خبز ومعلبات وصحيفة .
ليس لديه فسحة من وقت ليطالع الاخبار في وقت مبكر .. يكفيه التنقل بين الفصول معلما للتربية الفنية ، حياته جملة أجراس في الطابور الصباحي وبين الحصص .. وتلك لحظات التي يسرقها من الزمن لتناول طعاما سريعا مع والدته ثم يعاود السعي وراء الرزق في محل تصنيع الزجاج والمرايا ، والبراويز الفنية 
ليس في المنطقة ولا بين تلاميذه من يطلب دروسا في الرسم لذلك يبذل كل جهد ممكن في هذا العمل الإضافي ، وحيرة الناس تنتابعم وهم ينادونه باسمه ، ماذا يقولون ؟ اسطى أم أستاذ .
فتح الباب بهدوء كي لا يزعج والدته التي احست بقدومه وهمت لإعداد الطعام وهي تستكمل المشهد اليومي ، استبدل ثيابك وتعال .. الغداء جاهز .
يحاول التحرك في تكاسل بعد ان فتح الصحيفة وباشر قراءة بعض العناوين .
وبعيون مرهقة يشاهد صورته .. نعم صورته هو .. داخله شيء نفيس يدخره إلى أن يأتي من يخرجه للنور
ها هو على الملأ يظهر ، صورته هو نعم .. موهوب هو .. نعم نعم ، وجه يصلح للتمثيل .. نعم نعم نعم .
يخاطب نفسه كمن مسته لوثة : فنان أنا ، مولد الآن من تلك الصفحة ، من هذا السطر ، من تلك الطبعة .
يترك البيت والطعام ويهرول نحو محل الزجاج ، بعد قليل يذاع الخبر على الناس فنان مولود الآن .
خفيف الوزن يجري .. ويأخذ جملة خطوات بخطوة ، لا يقوى أن يحمل تلك الفرحة وحده .
أحد العمال منتظرا عند الباب يفتح كلتا يديه ، فيفتح كلتا يديه ليحتضنه .. أغمض عينيه ليتلذذ بالحضن وبالفرحة ، العامل كان يحمل بين يديه لوح زجاج ، نسي الفنان من فرحته أن يضع على عينيه النظارة .
اجتمع الناس على صوت زجاج يتحطم ، وعامل يصرخ ، والأسطى الأستاذ برواز ممزق الصورة في أحد يديه صحيفة .

راضي جودة
الإسكندرية .. يوما ما في عمر الأيام


تعليقات

المشاركات الشائعة